عبد الرزاق المقرم
359
مقتل الحسين ( ع ) ، المقرم
إن من يدرس نفسية ابن جعفر يتجلى له كذب القصة التي أرسلها المدائني واستند إليها البلاذري والتنوخي ! فإن الواقف على الرجال الموتورين لا يعدون الجزم بالتهاب قلوبهم نارا على واترهم ويترقبون الفرص للأخذ بالثأر ! . . يشهد له حديث عبد اللّه بن أبيّ بن سلول مع النبيّ ، وذلك أن ( أبيا ) لما صدر منه ما حكاه الكتاب العزيز : لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ « 1 » فجاء عبد اللّه إلى نبي الإسلام وقال لقد بلغتك هذه الكلمة من أبيّ قال نعم فقال إنك تعلم ما أحد بار بأبيه مثلي ، فإن أردت قتله فأمرني به ، لأني أخاف أن تأمر غيري ولا أحب أن أنظر إلى قاتل أبي فأعدو عليه فأقتله وأكون في النار « 2 » . . . وهذه القصة تعطينا نيرة عما عليه البشر من احتدام أولياء المقتول على القاتل وتربصهم الفرص للأخذ بالثأر منه ، ولو كان القتل من جهة الشرك . . . ولهذه الغريزة المطبوعة عليها جبلة الناس كان عمر بن الخطاب يقول لسعيد بن العاص وقد اجتمع عنده في بعض الليالي هو وعثمان وعلي وابن عباس ، ما لك معرضا عني كأني قتلت أباك ! إني لم أقتله ولكن أبا حسن قتله ، فقال أمير المؤمنين اللهم غفرا ذهب الشرك بما فيه ومحا الإسلام ما قبله ، فلماذا تهيج القلوب يا عمر ؟ ! فقال سعيد : لقد قتله كفؤ كريم وهو أحب إليّ من أن يقتله من ليس من عبد مناف « 3 » . لم يكن من الهين على سعيد قتل أبيه وإن كان كافرا وقتل بسيف الدعوة المحمدية والقاتل شريف جم المناقب ولم يحفزه على إراقة دمه إلا نداء الرب جلّ وعلا الموحى به إلى رسول السماء ، غير أن الخوف من صارم العدل حتم عليه التظاهر بالرضا مع انحناء أضالعه على أحر من جمر الغضا مرتقبا الفرصة في الأخذ بثأره ، وقد ظهرت نار البغض على لسان ولده عمرو بن سعيد ( الأشدق ) يوم تولى المدينة من قبل يزيد فلقد واجه ضريح النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بلسان طويل مجاهر بقوله : يوم بيوم بدر يا رسول اللّه ! ولما سمع صراخ نساء بني هاشم على سيد شباب أهل الجنة
--> ( 1 ) سورة المنافقين / 63 . ( 2 ) أسد الغابة ج 3 ص 97 . ( 3 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ج 3 ص 335 طبع أول مصر وتهذيب تاريخ ابن عساكر ج 6 ص 134 ترجمة سعيد بن العاص .